يتناول هذا الكتاب جوانب من الملامح المميزة لشعر حسن كامل الصيرفي من خلال بيان مظاهر التجديد في شعره حيث يمتاز باسلوب جميل ولفظ موفق ورقيق وصور شعرية خلابة وخيال جامح فضلا عن ابداع شعري يجعله متفرد بين الشعراء الكبار مستعرضا في هذا السياق اهم دواوينه الشعرية ومنها شهرزاد - زاد المسافر - المنبع - عودة الوحي التي تميزت بعمق التجربة الشعرية والتغير في القافية مع ابراز اهم الموضوعات التي تطرق اليها في شعره
وراء الكتاب حكاية، وهي أن المؤلف نال درجة الدكتوراه عن رسالة عن مفهوم القصيدة عند شعراء مدرسة أبولو وتحدث فيه بطبيعة الحال عن شاعرنا حسن كامل الصيرفي لأنه من رواد هذه المدرسة، ونشر الرسالة في كتاب (لم أقرأه)، وأهدى نسخه منه إلى أحد الأدباء الفضلاء الذي أثنى عليه ونصحه أن يخص صديقه ورفيقه الشاعر (حسن كامل الصيرفي) بدراسة مفرده عنه، وذلك لأنه الذي ما يزال قيد الحياة من بين أعلام مدرسة أبولو ..
ومن هنا انطلق المؤلف إلى بيت الشاعر وقابله وعاشره ست سنوات كاملة وحصل منه على كافة دواينه التي أخفق المؤلف في العثور عليها، ومنها دواوينه الأخيرة التي قدمها الشاعر إليه مخطوطة بخط يده، بالإضافة إلى دواوينه المطبوعة السابقة وعليها تصحيحاته وتصويباته وما قد أجال النظر فيه من الكلمات أو المعاني فغيّره وبدله، ولم يكتف الشاعر بهذا، وإنما أهدى إليه كافة قصاصات الجرائد والمقالات القديمة التي تناولت بالنقد والمجاملة دواوينه السابقة ليستعين بها هذا المؤلف الزائر في دراسته الذي يزمع أن يضعها عنه، وفوق كل ذلك كتب له ورقة بها الترتيب الزمني لدواوينه كي يربط الشاعر بين نضوجه الفني ونضوجه العمري، وفوق فوق ذلك، جلس معه ساعات كثيرة وهو يحدثه عن ظروف بعض القصائد، ومواقفها التي مر بها، ويحكي له لمحات من حياته، فوق فوق فوق ذلك، أعطى له ذات يوم قصيدة جميلة كتبها منذ أيام وهو يقول مبتسمًا (إن في هذه القصيدة مفتاح شخصيتي)
يا لها من ثروة! ..
ولكنها وُضعت في الأيد غير المناسبة لحمل عبء هذه الدراسة!، وأحزنني أن الكتاب بعد هذا التيسير اللامحدود الذي بذله الشاعر الراحل، قد أصدر بهذا الشكل!
فهو عند استعراض قصيدته التي قدمها له الشاعر بقوله أنها مفتاح شخصيتي، لم يزد فيها على أن شرحها شرحًا نمطيا لا جديد فيه فمثلا يقول الشاعر في هذه القصيدة:
وأخي الشاعر الحزين المعنّى .. الرقيق الألحان والنبراتِ الحنون الذي يمثل عندي .. ألم الأمِ في الأسى والشكاةِ وهو (الناي) عشتُ - بعدُ - أجاريه بشعري المهدهدِ النغماتِ كنت في مطلع الصبابة أحكيه، ومازلتُ دائم الصبواتِ
فيقول المؤلف شرحًا: وأما الناي فأخ شاعر حزين مضنى رقيق الألحان عذب النبرات، وهو الحنون الذي يمثل عنده ألم الأم في أساها، وإنه ليجاريه بشعره أو بنغماته المهدهدة منذ عهد الشباب ولازال مشدودا إليه في شيخوخته وهرمه ..
بالله!، أي فرق بين هذا وهذا، اللهم إلا ملء صفحات هذا الكتاب وللدلالة - ربما - على أنه قرأ القصيدة ووعى تماما ما يقصده الشاعر بكلمة أنها مفتاح شخصيته، وربما لم يفهم منها الكثير!
والشيء بالشيء يذكر ..
عند حديث المؤلف عن بيتي الشاعر:
ولكم سمعتِ نشيد قلبي في تلاوتهِ، فهمتِ ولكم قرأتِ قصائدي، فسكرتِ لما أن قرأتِ
والشاعر كما يبدو تماما، يقصد من فـ(ـهمتِ) التي في البيت الأول ما نقصده من قولنا (هام في وادي الخيال) أو (يهيم على وجهه على غير هدى)، وهذا المعنى يتفق تماما مع البيت الثاني (سكرتِ لما أن قرأتِ) ..
فأتى المؤلف الحائز على دكتوراه عن مفهوم القصيدة عند إحدى المدارس الشعرية، ليقول عن البيتين السابقين:
--
أما قوله في البيت الثاني عشر (فهمتِ) فيوحي برغبته الملحة في أن تدرك هذه المحبوبة مدى إخلاصه لها، وتشوقه إليها، وتشوقه إلى ليلات الصفاء معها، فهي إن فهمت عنه ما أراده فلن تملك إلا الرجوع إليه من جديد، وإلا أن تجدد من ماضي حبها ما رثّ أو وهى، وأن تصل من حبال ودها ما انبتّ أو انقطع، وإلا أن يسكرها شعره كما كان يسكرها في الماضي من جديد، ولكن هيهات أن يتحقق له هذا الأمل العزيز، وليس له إلا أن يقنع بعيشها في خياله أبدًا، دون أن تحتجب عنه في مسيرة الزمن الطويل!
--
للأمانة علامة التعجب الأخيرة في الفقرة السابقة من عنده لا عندي!!، وأكذب إن قلت إني ضحكت خلال قراءة هذه الهراء، وإنما أصابني شعورا بالبلاهة الشديدة أمامه سلب مني القدرة على الضحك!
هذا يغني عن بقية الكتاب، وهو لم يفعل فيه شيئًا، وإنما وضع المقالات التي أعطاها له الشاعر في ثنايا كتابه بشكل مقطع، وهذا التقطيع بالطبع لكي يستشهد بقطعة هنا وقطعة هناك ليطل برأسه بين قطعه بقطعة قائلا أي شيء والسلام لا يؤخر أو يقدم، إلا فيما يرويه مباشرة عن فم الشاعر وهو قليل للأسف رغم السنوات الست التي قضاها معه!
والحمد لله حقا، أن الشاعر توفى قبل أن ينشر المؤلف هذا الكتاب بسنتين تقريبًا، فيتحسر المؤلف أنه شاعرنا توفى قبل أن يرى عمله ويقرأ رأيه فيه، فينهي الكتاب بعزاء له منهيًا بهذه الكلمة المكررة المستهلكة (ويظهر كتابي هذا دون أن يراه الشاعر ودون أن يعلم ماذا أقول أو قلته فيه، فإلى روح الصيرفي الشاعر المبدع الكبير أقدم كتابي هذا رمز تقدير ووفاء وإكبار)
والحمد لله أيضًا أن هذا الأديب الفاضل الذي أشار عليه بفكرة هذا الكتاب توفاه الله أيضًا قبل أن يتوفى الشاعر نفسه بسنة واحدة، فصدر هذا الكتاب دون أن يره أحد منهما، فقد رحمهما الله حقا
!!
نهاية ..
قال الصيرفي في إحدى دواوينه الأولى:
عصرتُ روحي خمرا للورى وهوًى وما تذوقتُ منها بعض ما شربوا
ضاعت أمانيَّ في الدنيا، وأي مُنًى تعيش فيها وتحيا وهي تلتهبُ
أنشدتُ كل أناشيدي فما بقيت .. ألحانيَ، وتولّى موتها الصخبُ
فمرحبًا بشقائي في محبتهم ومرحبا بعذابٍ جرّهُ الأدبُ
وليغفر الله للدنيا إساءتها وفي سبيل الورى روحي وما أهبُ
---
سبحان الله كأنه كان ينظر من وراء الغيب إلى ما حدث له في هذا الكتاب، فمرحبًا بشقاءٍ جره الأدبُ وجرّه أيضًا هذا المؤلف علينا!