What do you think?
Rate this book


289 pages
Published January 1, 1996
أشهد ان لا إله الا الله وان محمد عبده ورسوله (شهادة باليقين وليس كما وجدنا اباءنا) واشهد ان القران الكريم كلام الله وليس من كلام البشر، من ذا
الذى يستطيع صياغة شريعة وقوانين واعجاز لغوى وتنبؤات في كتاب واحد.
القران دستور كامل وافى وشارح للغاية الأخلاقية ووسيلتها واتت سنة رسول الله الصحيحة لتكمل لنا فهم الشرائع وطرق تطبيقها.
الدكتور محمد عبد الله دراز كتب هذه الرسالة بالفرنسية ونال بها درجة الدكتوراة من جامعة السوربون ونال بها في عقلي مكانا متميزا على هذا العمل القيم.
سؤال هل الدين مصدر الاخلاق؟ الحقيقة انه ليس المصدر، فالمصدر بالنسبة لى هو الله خالق الانسان وخالق طبيعته وفطرته الهمه الخير والشر (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿7﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿8﴾ ) وزوده ببوصلة الهية فطرية ولكن الدين هو القانون والوسيلة التي ستجعلك تحدد عمل هذه البوصلة وتساعد في اصلاح اى عطب فيها. طبعا مناقشة الملحد منتهية بالنسبة للاخلاق فلا موضوعية لها عند الملحد الحقيقى الذى هو متأكد من عدم تكليف الانسان وليس اغلبية العرب منهم ولكن تكون المناقشة مع الربوبى او اللادينى .
الحقيقة انه منذ فترة كبيرة وخصوصا بعد قراءة هذا الكتاب اتعجب ممن يقولون لا نريد دولة دينية ونريدها مدنية وهذا على اساس ان دولة الخلافة الإسلامية الراشدة كانت لا تحكم بقوانين مدنية حتى أيام الظلم في الفترات اللاحقة كانت بسبب التخلي عن مفهوم الشورى وبداية المحاباة والظلم والتحطم في الناس بدون وجه حق و الجور والافساد وظلم الولاة وهذه مخالفة للقوانين المدنية التي هي أساس الاخلاق القرانية ولكن هذا ليس موضوعنا.
قسم عبدالله دراز النظرية الأخلاقية في القران حيث مبادئها واركانها
الالزام – المسئولية – الجزاء - النية والدوافع - الجهد
فكرة الالزام في الاخلاق القرآنية ( فاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) لا يعنى افعلوا ما بدا لكم حسنا بحسب اللحظة ولا هي صيغة الواجب الاستبدادي الصارم الذى لا يقبل استثناء ولا تعديل كما عند "كانط" وعندما يحتج احد بان الشريعة وبوصلة المؤمن سيختلفان في وسط الطريق حيث ان الضمير فارغ بهيمى او ذات فارغة فهو ليس في الحقيقة هكذا بل ضمير يجمع بين عنصرين فهو مستنير بفضل تزوده بالتعاليم الموضوعية حيث الواجبات محددة ثم انه يواجه واقعا حيا له وقاره في نفسه باختصار انه ضمير المؤمن.
فكرة المسؤولية والإرادة الحرة و الابتلاء حيث يتلخص المراد في ان الابتلاء جبر على الانسان وسلوك الانسان حياله فعل اختيارى والحديث عن تدخل الله بالهداية او الاغواء للإنسان فهو ليس محاباة كما يعتقد البعض او تعسف فالارادة الإلهية تعمل بحسب مقتضيات العلم والعدل المطلقين فهى تتدخل لصالح من يستحقون ولصالح من يعترفون بالفضل وهم اهل لاستقباله اما الذين هم عكس ذلك فيتركهم الله في عماهم وصممهم. والمسئولية لا يستطيع تحملها سوا الانسان البالغ العاقل الواعى بتكاليفها ولا تستطيع أية قوة في الطبيعة ظاهرة او باطنة ان تحرك او توقف النشاط الداخلى لارادة الانسان ،قد تستطيع فقط حرماننا من الظروف المادية المواتية لتنفيذ قراراتنا وأيضا المبدأ القرانى للمسئولية ذو نزعة فردية يستبعد كل مسؤولية موروثة او جماعية بمعناها الحقيقى.
فكرة الجزاء حيث الجزاء الاخلاقى والجزاء الالهى سواء المادى في الدنيا او في الاخرة.. ومن الناحية الأخلاقية في الإسلام يقتضى انتهاك الحق العام جزاءات أخرى اكثر من الندم والتوبة وصلاح الحال.
موضوع الجزاء أيضا يأتي فى القران على اكمل وجه ليس فقط جزاء ماديا في الدنيا كما في شرائع العهد القديم افعل الخير تجد انك اقوى وتسيطر على الأرض والناس او جزاء في العهد الجديد انتظارا فقط للاخرة بل في الإسلام جزاء روحى ونفسى وارتياح للضمير ومن الممكن ان تنال خيرا ماديا وأيضا الجزاء الالهى في الاخرة لتتم سنة الخلق بانك تعيش فترة اختبار فقط.
فكرة النية اذا اخذنا بالفكرة القائلة بان النية الحسنة هي في ذاتها الخير الاخلاقى المطلق بلا قيود او كما قال "كانط" الخير الوحيد في العالم بل وفيما وراء العالم فسوف يقودنا منطق هذه الفكرة الى تسويغ جميع أخطاء وضلالات الضمير فضلا عن اتخاذها قيما مطلقة ونماذج كاملة للفضيلة.. فكل من يباشر عملا يعتقد انه خاطئ بينما هو مشروع في ذاته، يرتكب بهذه النية الاثمة جريمة في حق الشرع الاخلاقى على الرغم من عدم وجود مخالفة مادية مما ينجيه من اى عقوبة والامثلة مشروحة في الكتاب.
يقول الحسن البصرى لا يصلح قول وعمل الا بنية ولا يصلح قول وعمل ونية الا بموافقة السنة ..الا ان هذين الشرطين لا يستغنيان عن شرط ثالث حيث يجب توافق العمل مع القاعدة عن طيب خاطر واذا ساورنا القلق على انفسنا في ما الذى يضمن لنا اننا نتصرف طبقا للاخلاقية الصحيحة فيبدد القران هذا القلق ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) اذ ما يجب علينا ليس هو عدم الوقوع في الخطأ ولا ان نتوصل في جميع الظروف الى الصيغة الصحيحة للواجب وانما هو ان نبذل جهدا دائما لنزداد معرفة بهذا القانون الوضعى ونهتدى بنوره.
ان للنية دائما قيمتها الا انها كلما اقتربت من العمل كلما ازدادت ثراء بالقيم وانها لا تبلغ قيمته الكاملة الا بالعمل التام. ان النية خير والعمل القائم على النية الحسنة خير اكبر لانه العمل الاخلاقى المتكامل.
أشار أيضا الدكتور عبدالله دراز الى الفصل الذهنى بين العمل ونتائجه بمعنى اصح عدم الرط الحتمى انا سأفعل الخير لأجد كذا:
هب البعث لم تأتنا رسله وجاحمة النار لم تضرم
أليس من الواجب المستحق ثناء العبد على المنعم
القرأن يقرر من حيث المبدأ بطلان اى عذر لا يتفق مع الصدق والاستقامة ( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15))
فكرة الجهد وهكذا بعد ان يأخذ الجهد في اعتباره مثل الواجب الأعلى مزودا بعناصره الثلاثة القوة والزمان والمكان ينطلق بطريقة ما بحيث انه كلما ارتقى في نبله كلما تجنب الافراط وكلما نزل الى حد الاعتدال كلما تجنب التقصير.
نسأل باى معنى ولا حد يمكن وصف الاخلاق القرانية بانها دينية؟ لا شك انه ليس بمعنى ان القواعد التي قررتها هذه الاخلاق كان موضوعها الوحيد او الجوهرى هو تنظيم علاقة الانسان بربه اذ من اليسير التأكد من ان تشريع هذه الاخلاق قد تتضمن جميع أوجه النشاط الانسانى وان مساحة الشعائر العملية الدينية تشغل اقل حيز فلم تعرف الإنسانية اخلاقا في كمال الاخلاق القرآنية في هذا الجانب.
في الحقيقة هذا مختصر الكتاب الاصلى وهو يحتاج لمختصر للمختصر ويحتاج الى قراءة متدبرة لربط الاخلاق بايات القران والفصل الثانى من الكتاب مجموعة من الاخلاق العملية للقران سواء فردية او في المعاملات مع الاخرين الاهل والاقارب واهل الكتاب تستحق هذه الاخلاق ان توضع في دستور كامل ليحكم بها من يريد إقامة دولة مدنية حتى لغير المسلمين.
( الأمثلة في الكتاب رائعة جدا ومفيدة في فهم المبادئ ولكن لا مكان لها في المراجعة الصغيرة هذه ، و اى مراجعة فهى مخلة صراحة فالكتاب دسم وقيم كما انه أصلا مختصر للرسالة الرئيسية)
أما عن تأليفها, فقد كان ذلك في أوائل الأربعينات, وكانت الحرب العالمية الثانية قد بدأت تشتد وطأتها في أوروبا بعد هزيمة فرنسا وصحوة الحلفاء لوقف طغيان النازي ... ولمست عن كثب الجهود والخطط التي رسمها منذ أمدٍ بعيد لنشر رسالة الإسلام في العالم الغربي. فعرفت أنه كان قد أتقن الفرنسية إبان طلبه للعلم في الأزهر الشريف استعدادًا لذلك اليوم الذي يقوم فيه بواجبه العلمي والديني. فما إن وطئت قدمه أرض فرنسا حتى بدأ في تحقيق خطته؛ ... فالتحق بالسوربون للتحضير لدرجة الليسانس, ودرس الفلسفة, والمنطق, والأخلاق, وعلم النفس, وعلم الاجتماع على أيدي أساتذة السوربون والكوليج دي فرانس ... ونجد أثر هذا التكوين العلمي الرصين في رسالته, حيث لم يكتفِ بتوضيح وجهة النظر الإسلامية, بل كان يجليها بمقارنتها بآراء المفكرين والفلاسفة, وكان لا يترك مناسبة إلا استعرض فيها رأي عالم من علماء الغرب, أو نظرية من النظريات السائدة, ثم يبين ما في هذه النظرية أو في ذلك الرأي من تصور أو خطأ, ويعقب ذلك ببيان كمال النظرية الأخلاقية في القرآن الكريم.
وقد استغرقت كتابة هذه الرسالة ما يقرب من ست سنوات. ويبدو أن العالم الجليل قد شرع فيها في عام ١٩٤١ بعد أن انتهت حملة فرنسا, وعاد إلى باريس بعد سنة أمضاها في بوردو "بجنوب غرب فرنسا" حين اقتربت الجيوش النازية من العاصمة الفرنسية وأصبح سقوطها وشيكًا, وإذا أضفنا إلى هذه السنوات الست خمس سنوات قبلها أمضاها الأستاذ في التعرف على مناهج العلوم في الغرب وتحضير درجة الليسانس, فإنه يكون قد أمضى ما بين إعداد العدة وتنفيذ مشروعه حوالي أحد عشر عامًا. ولم تكن هذه بالفترة الطويلة إذا قدرنا ما اكتنفها من سنوات الحرب العصيبة, وما أثارته هذه الحرب من مشكلات مادية ونفسية كان الأستاذ يتحمل عبئها, ويحاول إبعادها عن أسرته الكبيرة التي صحبته في غربته. وأذكر أنه اضطر -أثناء هجوم الحلفاء لتحرير فرنسا- لقضاء أيام طويلة مع أسرته في مخبأ تحت الأرض, كان يجمع فيه أوراقه التي يحرص عليها ويشتغل وسط القنابل التي كانت تدوي من حوله, على ضوء شمعة أو مصباح خافت.
وتمت مناقشة الرسالة أمام لجنة مكونة من خمسة من أساتذة السوربون والكوليج دي فرانس في ١٥/ ١٢/ ١٩٤٧.
والإلزام، والمسئولية، والجزاء، والنية، والجهد، تلكم هي العمد الرئيسية لكل نظرية أخلاقية، راعية بمراميها. ولقد خصصنا أساس هذا البحث في القرآن لدراسة هذه الأجزاء التكوينية للنظرية الأخلاقية.
ولكن، قد جرى العرف على تسمية القوانين الأخلاقية بحسب العنصر الغالب في مضمونها: فرديًّا، أو اجتماعيًّا، صوفيًّا أو إنسانيًّا، شريعة عدل، أو شريعة رحمة، وهكذا ... وليس شيء من هذه الصفات ذات الجانب الواحد، بمناسب هنا، فيما يبدو لنا.
إن هذه شريعة توصي "بالعدل" و"الرحمة" معًا، وتتواثق فيها العناصر "الفردية"، و"الاجتماعية" و"الإنسانية" و"الإلهية" على نحو متين. بيد أننا لو بحثنا في مجال هذا النظام عن فكرة مركزية، عن الفضيلة الأم التي تتكاثف فيها كل الوصايا، فسوف نجدها في مفهوم "التقوى"، وإذن، فما التقوى، إن لم تكن الاحترام البالغ العمق للشرع؟
هكذا نصل إلى فكرة الواجب، مطروحة هذه المرة على الصعيد العاطفي، كمحرك للإرادة. وعلى هذا الصعيد يبدو لنا "الاحترام" في المركز، بين شعورين متطرفين، يركبهما، ويلطفهما: "الحب"، و"الخوف". ولما كان "الاحترام" ناتجًا بصورة ما عن تزاوجهما فإنه يؤدي دورًا مزدوجًا، حين يستخدم كمحرك، ولجام في آن، ويطلق عليه في جانبه الأخير بخاصة: "الحياء" وبهذا الشعور على وجه الدقة حدد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- روح هذه الأخلاق.
لو افترضنا أن الإنسانية سوف تبقى أبدًا، وأنها سوف تغير ظروف حياتها إلى ما لا نهاية، فإننا نؤمل أن تجد في القرآن أنى توجهت -قاعدة لتنظيم نشاطها أخلاقيًّا ووسيلة لدفع جهدها، ورحمة للضعفاء، ومثلًا أعلى للأقوياء.
وأدنى ما يمكن أن نقوله في الأخلاق القرآنية: إنها تكفي نفسها بنفسها على وجه الإطلاق، فهي:
"أخلاق متكاملة".
تنبيه:
حاولنا خلال هذه الدراسة أن نتوخى الوضوح والدقة، والموضوعية. ولا شك أننا كنا نود أن نضم الجمال إلى الوضوح، والجاذبية إلى الأحكام وكان من المناسب بعد أن زرعنا ثمرات الفكر أن نعنى بأزهار الأسلوب، بيد أنه لما كان هذا الترف غريبًا بعض الشيء عن طريقتنا التي اعتدناها في الكتابة باللغة الفرنسية، فقد كنا نخشى إن بحثنا عن البريق أن نهدد المحكم المتين، فلا يكون إلا التكلف المضحك. فنحن مقتنعون إذن بتقديم أفكارنا، ومصطلحاتنا كيفما جاءت إلى العقل، عارية، بسيطة صادقة.
ويبقى أن نقول: إنه لو توسم فينا بعض الناس صفات أخرى مما حاولنا أن نستودعه في هذا الكتاب، فسيكون هذا جزاء عظيمًا على ما بذلنا من جهد.