"ذكرياتي في عهدين"، أي عهد الملك فاروق، وعهد محمد نجيب وجمال عبد الناصر، وكان يشغل في كليهما منصبًا مقرّبًا، فكان في العهد الأوّل شديد القرب من مصطفى النحاس خاصة، عندما كان رئيس الوزاراء، وكذلك مقربًا من رؤساء الوزراء الآخرين الذين توالى تعينيهم في الفترة الأخيرة من العهد الملكي، كالنقراشي وعلي ماهر والهلالي، وذلك حكم منصبه مديرًا للمراسم (تشريفاتي) برئاسة الوزراء، وفي العهد الثاني كان بمثابة السكرتير الخاص للرئيس محمد نجيب لفترة يسيرة، ثم أصبح فيما بعد مدير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر عندما كان ما يزال رئيسًا للوزراء، ثم كبيرًا لأمناء القصر الجمهوري في عهد رئاسته للدولة، فمكث مع عبد الناصر 18 عامًا إلى وفاة الأخير، ثم استمر في منصبه في عهد أنور السادات، حتى قبيل حرب أكتوبر بعدة أشهر، واستقال من أجل أن يتفرّغ لكتابة هذه المذكرات، فقبل السادات استقالته، ثم أنعم عليه بوسام الجمهورية من الطبقة الأولى تقديرًا لخدماته الجليلة للدولة
هذا بإيجاز، أما الذي لم يأت بإيجاز في هذا الكتاب هو قدر الثناء على النفس، الذي جاء هنا بكمية وافرة جدًا جدًا جدًا في أي موضع من الكتاب، حتى إنني عندما مللت من كثرة الحديث عن النفس، تخيلت في لحظة سأم، أنه في الإمكان دون الإخلال بالمضمون على الإطلاق أن نطلق على هذه المذكرات اسم "أخلاقي الحسنى في عهدين!"، لا مجرد "ذكرياتي!!" وحسب، وكان هذا جليّا في العهد الثاني، فالجزء الثاني هذا جميعه تحوّل إلى مجرد يوميات وظيفية لشاغل منصب كبير أمناء القصر!، أي قد حفل – دون الاهتمام بما سواه - بمواقف استقبال الرؤساء والأمراء وكبار الزوار، والسفريات الخارجية مع الرئيس ومع التركيز الكبير (والأوحد في الكثير من الحالات) على الضيافة التي أُستقبل بها الرئيس ومرافقه مؤلف هذا الكتاب وحال المأدبة التي دُعيا عليها وذكْر أصناف الطعام على موائدها والصداقات الخاصة التي كوّنها المؤلف مع رؤساء وملوك العالم، وعن دعوات زيارة بلادهم التي يتلقّاها منهم بصفة مستمرة
وما أن تقدّمت لمصافحة ملك المغرب حتى أمسك بذراعي متلطفًا، ووجّه الخطاب إلى الرئيس جمال عبد الناصر قائلاً: يا فخامة الرئيس، لقد وجّهت الدعوة أكثر من مرة للأخ صلاح الشاهد لزيارة المغرب، ولكنه امتنع عن الحضور
فلم يتوان الرئيس عبد الناصر عن الإجابة على الفور: اقبض عليك جلالتك لتضمن بقاءه طرفكم كما ترغبون
ولم أتمالك نفسي من الرد على الرئيس الراحل: يا سيادة الرئيس، هل تتنازل عني بمثل هذه السهولة؟
فقال ضاحكًا: ليس لأكثر من ستة أشهر فقط
هذا مع ذكر الحالات الخاصة التي طلبت مقابلة الرئيس ومرّت عليه نتيجة قيامه بوظيفة كبير الأمناء في القصر الجمهوري، كسيدة مريضة تطالب بعلاجها على نفقة الدولة، وكطالب علم متفوق يبحث عن وظيفة في الهيئة الفلانية ولكنها مُنعت عنه لكونه تجاوز السن القانونية للتعيين بفارق سنة واحدة، وما إلى ذلك، ولم يغفل كذلك ذكر الهدايا التي أُهديت للرئيس، مع الكثير الكثير من مواقف عامة للرئيس جمال عبد الناصر أمر فيها بتخصيص راتب من جيبه الخاص لهذا وذاك، وتسفير هذا للعلاج على نفقة الدولة، والتكفل بمصاريف جنازة فلان وعلان مع أوامره بإيفاد المؤلف مثلاً إلى الجنازة نيابة عنه، وما إلى ذلك مما شاهده كبير الأمناء، هذا بالإضافة بالتأكيد لكل ما سرده المؤلف حول نفسه أثناء قيامه بالمهام المكلف بها من دقة أمانته وشدة إخلاصه وعمق وفائه ودقة ملاحظته وسرعة وحسن تصرفه على البديهة في أخطر المواقف وأحرجها!، فجاء إذن هذا الجزء إلى آخر الكتاب كسرد لسير العمل في وظيفته هذه، وغاب عنه تمامًا جانب المؤرخ الحيّ والدارس للأحداث السياسية، فالأحاديث السياسية هنا جاءت عفوًا، وكأحاديث عابرة بينه وبين الرئيس أو ممن حوله ولم يكن فيها كشفًا لأسرار سياسية وقتئذ مثلاً، فأكثرها أحاديث اجتماعية، وإن كان في الجزء الأول الأمر أفضل حالاً بكثير، فالجزء الأول حتى نهاية الملكية جاء بمثابة تاريخ سياسي مصغّر عن التغيّرات الوزارية المتعاقبة في الفترة الأخيرة من العهد الملكي وأخبار تشكيل الوزارات وتعيين الوزراء، ولم يكن صاحب المذكرات هو المحوّر الأوحد فيه كما كان في الجزء الثاني، وإنما عرض فيه لتفاصيل كثيرة – لم يكن المؤلف حاضرًا فيها حتّى - عن الملك والوزارات ورجال القصر والمعارضة، بحكم ما كان يدور حوله وهو في منصبه برئاسة الوزراء حينذاك، ودافع في هذا الجزء دفاعًا حارًا خلال ذلك عن كل إجراء قام به مصطفى النحاس في هذا العهد، وأخرجه من أتّون الحوادث السياسية نقيًا لا شية فيه مهما كانت
وكذلك كان الأمر خلال حديثه عن جمال عبد الناصر، وتأكيده في كل صفحة أنه يتحدث عن جمال عبد الناصر الإنسان ومواقفة الإنسانية العديدة .. لا الرئيس والسياسي والعسكري ورجل الدولة، وكأنه حقًا – أي المؤلف – كان لا يذكر الذين عمل تحتهم مباشرة إلا بالخير والسيرة الطيبة، مع تسليط الأضواء على ذكر مواقفهم الإنسانية الشخصية، أي: النحاس وعبد الناصر، التي دارت المذكرات كلها حواليهما بصفة خاصة، لذا أحسست أن هذا القرب، وهذه الصور المقرّبة التي استعرضها في مذكراته، قد شغلته – ربما – عن رؤية الصورة الكبيرة بالخارج، فما كان الاثنان بكل هذا النقاء والمثالية المطلقة التي جاءا عليها في الكتاب
وفي صفحات المقدمة، التي خصصها المؤلف لتثبيت بعض ما كُتب عن كتاب ذكرياته في الصحف بجانب ما ستقبله من برقيات من الوزراء والملوك حول كتابه، قرأت في هذه المقدمة مقالاً بعنوان: رجل المجاملات يكتب مذكراته!
في إشارة كاتب المقال إلى أن مهمة مدير المراسم التي شغلها صاحب المذكرات هي مراعاة تطبيق قواعد البروتكول (المجاملات) المعمول بها في المناسبات المختلفة، وأعجبني هذا العنوان بغض النظر عما تضمّن تحته، ورأيته أنسب وصف للكتاب
هذا الكتاب ليس سيرة ذاتية بقدر ما هو شهادة على عصرين...فالكاتب لم يكن صانعاً للأحداث بقدر ما كان شاهداً عليها بحكم موقعه الوظيفي الكتاب عبارة عن سرد لمئات المواقف التي شهدها الكاتب في العهدين الملكي و عهد (الثورة) التي وصفها عرضاً في عدة مواقف (الإنقلاب)...و من خلال الكثير من المواقف البسيطة تكتمل الصورة لكثير من أهم الشخصيات التي أثرت في تاريخ مصر الحديث بالطبع لا يخلو الكتاب من التحيزات، و إن كان الكاتب قد التزم الأدب في الحديث عن الجميع، فكل من ذكرهم من الموتى بلا استثناء لم يذكرهم إلا و قد سبقت أسماءهم ألقاب المغفور له أو المرحوم كتاب لطيف يستحق القراءة
ذكريات متفرقة (غير مترابطة) لصاحبها الذي عمل تشريفاتيا لرئاسة مجلس الوزراء وأمينا أول لرئيس الجمهورية ثم كبير أمناء رئاسة الجمهورية خلال 31 بدات في عهد الملكية واستمرت لما بعد ثورة يوليو حتى عام 1973. أهم صفة تتطلبها وظيفة كاتب هذه الذكريات هي "المجاملة" لذلك حرص الكاتب في سردياته وحكاياته على أن يكون مجاملا لجميع الزعماء والرؤساء وألا يسيء لأحد ولا يذكر عيبا لأحد! وبالأخص جمال عبدالناصر الذي عمل معه الكاتب ما يقارب 18 عاما وأفرد له في نهاية هذا الكتاب عدة أحاديث وذكريات خاصة تتحدث عن جمال عبدالناصر الإنسان!!! لا أعتقد أن الكاتب قال كذبا في هذه الذكريات عن الشخصيات التي عمل معها ولكنه من المؤكد أنه لم يقل عنهم كل الحقيقة!
الكتاب ليس سيرة ذاتية ولا رواية تاريخية مسلسلة المميز فى الكتاب ان الموقع الذى كان يشغله الكاتب أتاح له معاصرة أحداث كثيرة إنتقى منها المجموعة المنشورة من وجهة نظرى يعيب الكتاب عدم وجود تسلسل للأحداث و المجاملات الواضحة و تلميع عبد الناصر و تمجيد النحاس