حكايات من دفتر الوطن
صلاح عيسي
.........................
الكاتب والمؤرخ صلاح عيسي حكاء ممتاز، يستطيع نبش الماضي واستخراج المخفي والمسكوت عنه من حكايات التاريخ، كما يقدم تحليلات تساعد عل الفهم والتفسير الجيد للأحداث.
في هذا الكتاب يتحدث المؤلف عن مجموعة متفرقة من الأحداث التاريخية التي غابت عن الذاكرة، وبقي منها آثارها التي لا تبارح واقعنا المعاصر.
مجموعة من الأحداث المتفرقة التي تفصل بينها السنوات أو القرون، اختارها الكاتب كصفحات من دفتر الوطن، دون التقيد بنظام معين أو بقاعدة معينة للاختيار. وهذه الأحداث التاريخية التي اختارها الكاتب أصبحت من المطوي عنا نحن أبناء هذا الجيل.
أول الصفحات اختار الكاتب صفحة من العصر المملوكي، والذي يبهرنا بغموضه الشديد والذي أعتقد أنه لا يزال يؤثر بقوة في حياتنا حتي الآن. في هذا العصر كانت جريمة زنا جرت بين امرأة رجل من الكبار مع آخر، ولأن الزاني له أصدقاء من العلماء فقد استطاع بالحيلة الإفلات من العقاب بل وأوصل الزوج المخدوع إلي السجن، ولأن العصر كان كثير التناقض فقد جري صراع بين السلطان المملوكي قنصوه الغوري والعلماء علي مختلف مذاهبهم انتهت إلي فصلهم جميعا من وظائفهم. في هذا العصر يشرح المؤلف بعض الوقائع الاجتماعية الرسمية التي كانت تجري في ذلك العصر، فقد كانت مناصب العلماء تباع وتشتري ويدفع فيها المال. نتعرف في هذه الصفحة علي الكثير جدا مما كنا نجهله عن هذه الفترة الزمنية الغامضة في تاريخنا.
في الصفحة التالية تحدث المؤلف عن الحملة الفرنسية علي مصر، وخص بالذكر حادث قتل كليبر وإعدام سليمان الحلبي. من خلال حديث المؤلف عن مقتل كليبر بالتفصيل نتعرف علي حقيقة هذا الحادث، لأن ما سبق من كتب تحكيه وكأنه بطولة فرد، لكن حقيقة الأمر أن هذا الحادث بطولة وتخطيط جماعة كبيرة العدد تنتمي لأكثر من بلد. مما يوضح أن الأمور لم تكن تجري بعشوائية و بدون تخطيط. كانت جريمة إعدام سليمان الحلبي طبقا للوصف الذي شرحه الكاتب شديدة البشاعة، كما كانت للحملة الفرنسية جرائم أخري متعددة، منها جرائم الإغتصابات الجماعية، والإعدامات الجماعية التي كانت تجري كل صباح.
في صفحة أخري بعنوان مقتلة الأحد الدامي، تحدث فيها عن مؤامرة التحضير لاحتلال مصر بإحداث اضطرابات في الشارع المصري خاصة في الإسكندرية. كانت البلاد تعيش هادئة كما اعتاد أهلها عليها، لكن مؤامرة المسلحين الأجانب الذين أعملوا القتل والتنكيل بالمواطنين، وكذلك مشاركة عرب البدو ضد الجيش المصري مع بعض الخيانات، كل هذه عوامل أوقعت مصر تحت الاحتلال الإنجليزي لأربع وسبعين سنة.
من أغرب صفحات دفتر هذا الوطن في هذا الكتاب هي الصفحة الخاصة بقصة ومغامرات عبد الله بالمر، وهو رجل باحث بريطاني يجيد اللغة العربية، وقد عمل باحثا في سيناء لسنوات وعرف رؤساء قبائلها وأقام علاقة معهم. بالمر هذا نزل مصر قبل احتلالها متنكرا في زي تاجر شامي، وقام برشوة قبائل البدو لمنع وصول الإمدادات القادمة من بلاد الشام لدعم مصر ضد الانجليز، كما منع البدو من تقديم أي دعم لعرابي أثناء المعركة، وقاموا كذلك بنقل أخبار قواتنا المصرية وخططها الإستراتيجية لجيش الإنجليز مما كان له الأثر الأكبر في سقوط مصر تحت الإحتلال. قصة غريبة جدا لكنها تتكرر حاليا.
في صفحة أخري تحدث عن البطريرك المصري الذي أرسي قواعد العمل الوطني لكنيسة المصرية، وكان من أعماله أنه حضر ثورة عرابي وثورة سعد زغلول، وكان للكنيسة المصرية موقفها الوطني المشهود في هذا اليوم ولازالت الكنيسة المصرية تمشي علي خطه الوطني إلي اليوم.
في الصفحة التالية تحدث عن زمن الجواري، وكانت قضية في زمن تحريم تجارة الرقيق وقع فيها بعض رجال مجلس النواب، وبعض البشوات وكان لذلك أثر كبير في تحريك قضية الرقيق من جديد.
في صفحة تالية نتعرف علي أحوال القصر الملكي عن طريق التعرف علي الأميرة شويكار والأمير سيف الدين أخوها, كان الأمير سيف الدين مريض نفسيا وقد كانت له رصاصات أطلقها علي بعض أفراد العائلة المالكة ظهر من خلالها أن العائلة المالكة تموج بالصراعات علي كرسي العرش، وقد سقطت هيبتها في نفوس العامة بعد هذا الحدث.
في الصفحة الأخيرة نتعرف علي تفاصيل حادث دانشواي، وكيف سقط واحد من الكبار وقدوات المصريين ومفاخرهم في الوحل، وكيف أخطأ ولم يغفر له المصريون إلي يومنا هذا، إنه إبراهيم الهلباوي أشهر محامي في عصره. كما نتعرف علي طبيعة منطقة دانشواي حيث نتعرف علي أن صيد الحمام من هذه المنطقة كان أمرا مألوفا لدي الإنجليز في هذه المنطقة. حادث دانشواي كان من أعظم الحوادث التي وقعت ف مصر في هذه الفترة وكان له أثره في تطوير جهادنا الوطني ضد الاحتلال.
هذا الكتاب مميز جدا وأسلوب الكاتب فيه في منتهي الروعة، ولا يسع القارئ إلا أن ينزلق هادئا بين صفحاته إلي أن ينتهي منه كاملا، وللكتاب رقة و عذوبة الروايات وسهولتها وهو ما يسهل مهمة قراءته علي القارئ.