قد تجد كتاباً وفي أثناء القراءة تشعر كأن هذا الكتاب قد أُلف وفق ذائقتك، وفُصل على مزاجك، وكتاب وديع فلسطين هذا بجزئيه استمتعت بقراءته أيما استمتاع، وحفاوتي بهذا الكتاب لعدة أسباب:
أولاً : الحقبة التاريخية: أستمتع كثيراً بالقراءة في هذه الحقبة ، وهي حقبة النهضة العربية كما يسميها بعض المفكرين، أو حقبة العصر الحديث، أو عصر التنوير ، أو ( عصر العقاد ) كما سماها عبدالعزيز شرف، فمن يجهل من القراء الكرام اسم العقاد أو الرافعي أو المنفلوطي أو طه حسين أو أحمد أمين أو زكي مبارك أو مي زيادة ... لقد شهدت هذه الحقبة التاريخية بزوغ عدد من الأعلام من لهم بصمة في عالم الأدب والفكر، وشهد نهضة فكرية وأدبية، وانفتح على الثقافات الغربية، وبدأ يعود إلى التراث العربي يلتمس فيه جذوره ويساعد في نشره بالتحقيق والدراسة والنظر في كنوزه المدفونة، بدأت تتشكل المذاهب الأدبية والنقدية والأحزاب السياسية والحركات الإصلاحية ، وكأن هذا العصر استفاقة عنيفة من سباتٍ طويل في ليل العهد العثماني أو كما يسميه بعض المؤرخين عصر الركود.
ثانياً: وديع فلسطين صحفي قضى جل عمره في الصحافة وهو خير شاهدٍ على مسيرتها في الوطن العربي، فقد شارك في العديد من الصحف العربية مثل (المقتطف -المقطم - الرسالة - الأديب -الثقافة - قافلة الزيت -الضاد ) ، وفي هذا الكتاب يصحبك في رحلة ممتعة في عالم الصحافة ودهاليزها والذي حتم عليه عمله في الصحافة أن يلتقيهم ويحتك بهم، وأصبح يربطه بهم علاقة وطيدة. من مثل ألبير أديب صاحب مجلة الأديب، وأحمد الزيات صاحب الرسالة ، وفؤاد صروف، ويعقوب صروف، وبشر فارس أصحاب المقطم.. وكذلك سرده للمعارك التي دارت في الصحافة ، أو حتى بعض الملابسات التي لحقت ببعض أعلامها.
ثالثاً: كشف وديع فلسطين جوانب من حياة بعض الأدباء، والذي كان لصيقاً بهم، مثل عباس محمود العقاد والذي كان يحضر صالونه، ونفى عنه صفته التكبر والغرور المشاعة من بعض الأقلام. كذلك فصّل في حياة خليل مطران، وإبراهيم ناجي والذي ذكر أنه مات مقهوراً من فصله في حادثة التطهير، وأنه لم يلق شهرة إلا بعد وفاته،وبعد أن غنت أم كلثوم الأطلال، كذلك تحدث بالتفصيل عن صالون مي زيادة ، وعن بدايات نجيب محفوظ. وهوايات أحمد زكي أبو شادي، وعادل زعيتر ومنهجه في الترجمة. وأول من حصل على شهادة دكتوراة، وأول من وضع خريطة للجزيرة العربية، وأول طبيب عربي، ومترجم نظرية النسبية، ومترجم أصل الأنواع...الخ.
رابعاً: ذكر وديع فلسطين أدباء أغفلهم الزمان، فخمل ذكرهم تقصيراً من معاصريهم، ومن جاء بعدهم، وفي الحقيقة إني بعد قراءتي للكتاب بدأت أبحث عن هؤلاء الأعلام وأحاول أن أتتبع كتبهم ومؤلفاتهم الثمينة والتي كانت غائبة عنا، فعلى سبيل المثال: - إسحاق موسى الحسيني، له رواية بعنوان "مذكرات دجاجة" وله مؤلفات عديدة أدبية ونقدية من مثل "أزمة الفكر العربي، النقد الأدبي المعاصر، عروبة القدس"... - جعفر الخليلي، الذي باع مكتبته من أجل مجلته "الهاتف". - حبيب جاماتي، وقد كتب التاريخ في قوالب تعليمية - زكي المحاسني وزوجه وداد السكاكيني واللذان اجتمعا على حب الأدب والعلم ولهما مؤلفات أثرت الثقافة العربية والأدبية. -المستشرق المجري جرماونوس والذي أطلق على نفسه "شحاذ كتب" -عبدالله يوركي حلاق: وهذا الأديب له إسهامات عظيمة في مجال الأدب، وعاش رهين الشعر والأدب. - عبدالمسيح حداد - نجيب العقيقي، وكتابه المستشرقون والأدب المقارن. - نظير زيتون صاحب القلم الفصيح والذي لا يكتب إلا بالسجع -يوسف أسعد داغر والذي أفنى عمره بين الكتب والمكتبات يفهرس المصادر العربية، وهو رائد الببلوغرافيا العربية. إلى غير ذلك من الأعلام الذين كنت أجهلهم.
خامساً: قد يظن القارئ عندما يقرأ عنوان الكتاب أن يكون منهج الكتاب هو ذكر معلومات (ويكيبيديه ) عن الأعلام، يبدأ بولادة العلم ثم مراحل تعليمه ثم عمله ثم وفاته، كما هو في بعض المعاجم وكتب التراجم. ولكن هذا الكتاب له نهج مختلف، كُتب بقلم أديب متمرس في الكتابة ، يعرف كيف يأخذ بلبك وعقلك ويجعلك مشدوداً لا يصرفك عن الأسطر صارف من شدة جمال كتابته، وبلاغة حديثه، وروعة أسلوبه. تقرأ اسم العلم في أعلى الصفحة ثم يبدؤك في الفقرة الأولى بحدث أو قصة يأخذك من خلالها بالتدريج لتكون في صحبة هذا العلم الذي يتحدث عنه بأسلوب بديع، أضف أنه في حديثه عن الأعلام هو أيضاً يتحدث عن نفسه، ويذكر بعضاً من سيرته العلمية والعملية، وكأنه جمع بين السيرة الغيرية والسيرة الذاتية.
أعجبني حقيقة وفاء وديع فلسطين لأصحابه وأصدقاءه وأدباء زمانه، وذكرنا بهم، كاتب متفانٍ، وكاتب يقدم مصلحة غيرة على مصلحته، والشيء المشترك في هذا الكتاب هو شكوى وتبرم الأدباء من تنكر الزمان لهم، وأنهم لم يلاقوا التقدير المستحق من أمتهم بل من أقرب الأقربين لهم ، يقول وديع فلسطين : "...إن الأبناء يرون من خلال ملاحظتهم لآبائهم الأدباء أن ما يلقوه من معاناة في حياتهم لا يتكافأ مع حظوظهم المادية المتواضعة بالمقارنة بغيرهم من فئات المجتمع، ومادامت المادة هي القيمة العليا في عصرنا ، فقد انصرفوا عن الطريق الموحش -يقصد الأبناء - الشاق إلى طرق ممهدة تفضي إلى النجاح المعلي في الحياة". ويقول مخاطباً (كامل السوافيري ) والذي سأل وديع فلسطين عن إمكانية تأبينه بعد موته: "إن حظ الأديب في دنيانا هو نعي الأسرة لأن الأدباء يموتون فطيساً كما تنبأ عن موته الأديب عباس حافظ ، وكنت أقول له : وما جدوى التكريم إذا ما جاء بعد انتهاء رحلة الحياة ، ثم أسمعه قول الشاعر القروي: يا أيها الأدبا موتوا لنكرمكم إن يخبث العيش قد تحلو المنياتُ لو بعض إكرامنا للنابغين بدا منا لهم قبل أن ماتوا، لما ماتوا". إلى غير ذلك من المواضع الكثيرة التي يشكوا الأعلام الإهمال والتقدير، وإن قصروا معهم في زمانهم و في زماننا، ولكن يكفيهم أنهم خالدون، فقد كتبوا علماً وإرثاً مُنجزاً، ومن يكتب لا يموت كما يُقال. والمفارقة العجيبة أني سمعت قبل فترة عن اقتحام لصوص لبيت وديع فلسطين وسرقته وإلحاق الأذى به، فلم يرحموا ضعفه وشيبته، أو يقدروا تفانيه في خدمة وطنه وأمته.
حقيقة أني دونت كثيراً من فوائد الكتاب، ولولا أن تطول هذه المراجعة وتبعث السأم والملل لذكرت بعضاً منها ولكن يكفي أن اقول أن هذا الكتاب وصاحبه شاهد على فترة تاريخية عربية أحدثت تطورات كثيرة في الفكروالثقافة والأدب وكثير من مراجعنا الحالية تستند على ما أُلف في هذه الفترة الزمنية من أمثل كتب العقاد والرافعي وعبدالرحمن بدوي ومحمد مندور وزكي مبارك وطه حسين وأحمد أمين وغيرهم . ووديع فلسطين عرف من الأعلام أكثر مما ذكرهم في كتابه هذا وله كتاب آخر دون فيه سير بعض الأعلام، ويسمي نفسه ( صديق الأضداد) حيث يقول: "إنني كنت في كل عمري صديق الأضداد: صادقت سلامة موسى، وصادقت خصوم سلامة موسى ، صادقت إسماعيل مظهر، وصادقت مناوئي إسماعيل مظهر ، وصادقت سيد قطب وكذلك مخاصميه، وصادقت أحمد حسن الزيات والخارجين عليه، وصادقت نقولا الحداد والذين خالفوه الرأي ، وصادقت الدكتور فارس نمر باشا وكذلك الذين كانوا حرباً عليه، وكان الشيخ محمود أبورية من أعز أصدقائي، وكان مهاجموه يؤمونني ..." ويقول : "مما يُنعى على أبناء هذا الجيل افتقارهم إلى التواصل مع الأجيال السابقة، وهو ما أجتهدُ في تداركه في هذه الأحاديث المستطردة بحكم خضرمتي في الحياة الأدبية ، وإن بيقتُ على الدوام على هامشها...". والخلاصة أنك ستجد في هذا الكتاب الفائدة والمتعة وشيئاً من الحرقة أيضاً.
وأختم بقول الشاعر أبو الوفا يتحدث عن نفسه ، وهي تنطبق أيضاً على وديع فلسطين: وطني هو الفصحى، وكل بلادها في مصر أو في الشام هن بلادي هذا هو الوطن الذي أحيا له وله أوالي صادقاً وأعادي.
كتاب يستحق للإشارة والحديث عنه كثيرا تناول فيه الكاتب أعلام عصره شخصيات كثيرة نعرفها منها العقاد وطه حسين و الزيات وزكي مبارك واكثر لا نعرفها، شخصيات لم تأخذ حقها من الشهرة.كلهم عرفهم و صداقهم وعمل معهم وديع في مجال الأدب والصحافة من مختلف البلدان العربية.
قرأت للمؤلف كتاب آخر ومجموعه مقالات وشاهدت له حلقة عن سيرته، شخصية هادئة وجميلة جدا وايضا لم يأخذ حقه من الشهرة كاتب وصحفي وأيضا مترجم، درس في الجامعة الأمريكية وعمل بها أستاذا للصحافة و كان مراسل ووكيل للعديد من المجلات.